حكمة الكبار تُقزِّم الأقزام
هناك فرق كبير بين أن تكون إعلاميًا، وأن تكون مجرد شخص يحمل هاتفًا ويبحث عن صورة!
هناك فرق كبير بين أن تكون إعلاميًا، وأن تكون مجرد شخص يحمل هاتفًا ويبحث عن صورة!
في الحراك الإعلامي، كانت لقاءاتنا مع قيادات إعلامية سودانية تاريخية صنعت المشهد يومًا، تؤكد أن الكبار يختلفون بأدب، ويتناقشون بوعي، ويختلفون دون أن يغلقوا جسور التواصل والنقاش.
الاختلاف عندهم اختلاف في الرأي، لا مشروع لإقصاء الآخر.
والمهنية عندهم حاضرة، والقضايا الوطنية لها حرمتها، والعلاقة الوجدانية مع البلد المضيف خط أحمر، تُصان بالمواقف قبل الكلمات.
وهنا تأتي أهمية البداية الموفقة لـ«ملتقى الإعلاميين السودانيين»؛ فالجلوس مع كبار المهنة، واحترام تاريخهم، والاستماع إلى تجاربهم، ليس مجاملة اجتماعية، بل إعلان مبكر بأن الملتقى يعرف من أين يبدأ، وإلى أين يريد أن يصل.
أما الذين يظنون أن قيادة المشهد الإعلامي تبدأ من «الفلاش» وتنتهي عند الصورة، فهؤلاء يحتاجون فقط إلى تذكير بسيط:
الفلاش يضيء لثانية… أما الأثر فيحتاج إلى سنوات.
والأطرف أن بعض «نجوم الفلاشات» يتعاملون مع كل صورة وكأنها فتح إعلامي جديد، ومع كل ظهور وكأنه مؤتمر صحفي، ومع كل خلاف وكأنه معركة تحرير وطنية!
بينما الكبار لا يحتاجون إلى كل هذا الضجيج؛ فتاريخهم يتحدث عنهم، ومواقفهم تشهد لهم، وأثرهم لا يحتاج إلى فلتر ولا هاشتاق.
لذلك، لا أظن أن على الملتقى أن ينشغل كثيرًا بأقزام المهنة، ومتسلقيها، ومناحريها، وإقصائييها؛ فبعض المعارك معهم تشبه تمامًا محاولة إقناع المرآة بأنها ليست صورة!
المهنة أكبر من ذلك.
والوطن أكبر من ذلك.
والعلاقة مع البلد المضيف أسمى من أن تكون مجرد شعار؛ فهي علاقة راسخة في القلوب قبل الأذهان، وموقف أخلاقي لا يتغير بتغير المزاج أو اتجاهات التصفيق.
نحن نريد إعلامًا يصنع أثرًا، لا إعلامًا يصنع زحامًا أمام الكاميرا.
نريد إعلامًا يتجاوز انصرافية الأحداث السطحية، ويعود إلى جوهر المهنة: وعي، ومهنية، ومسؤولية، واحترام للآخر.
وفي النهاية… حين يجلس الكبار إلى طاولة واحدة، لا يحتاجون إلى إقصاء الأقزام… فارتفاع الطاولة وحده كافٍ لكشف الفارق!